السيد كمال الحيدري

68

الإنسان بين الجبر والتفويض

يجوز أن نتحدّث مع هؤلاء بلغة العقل ومعاييره وقد أنكروا الحسن والقبح العقليّين ! 3 . مستوى القواعد التوحيدية ربما كان أهمّ ما استند إليه المجبرة في تسويغ دعواهم في سلب الإنسان مسؤوليّته عن فعله ونسب خلق الأفعال إلى الله سبحانه ، هو تمسّكهم بالمحافظة على حرمة علم الله وإرادته الأزليّتين ، فإذا لم يتعلّق العلم والإرادة الأزليّان بأفعال العباد لزم منه انقلاب علمه جهلًا وقهر إرادته جلّ وعلا . إنّ الإشكالين يلتقيان في جواب واحد ، وإن كانت بعض تفصيلاته تتّسم بالدقّة . نسجِّل في البدء - درءاً لأيّ التباس - أنّنا أيضاً نعتقد بأنّ ما علمه الله أزلًا وما أراده أزلًا لابدّ أن يقع ، وما لم يعلمه ولم يرده لا يقع جزماً . هذه قاعدة ليس لموحِّد أن يشكّ بها طرفة عين . إنّما السؤال : هل أراد الله سبحانه وعلم وقوع الفعل كيفما كان ، أم أراده وعلمه على كيفيّة خاصّة ؟ إنّ العلم نفسه لا يدلّ على وقوع الفعل بالضرورة . أجل ، إن ثبت أنّ الله علم وقوع الفعل كيفما كان يلزم من ذلك الجبر . أمّا لو قلنا بأنّه سبحانه علم وقوع الفعل على كيفيّة خاصّة فالأمر يختلف . وبشأن الفعل الإنساني ، فإنّ المعنيّ بالكيفيّة الخاصّة هو إرادة الإنسان نفسه لذلك الفعل . فالله سبحانه علم من العبد أنّه سيختار